الأحد، 28 أكتوبر 2012

ســلــمــي



نصف ساعة بعد الواحدة صباحاً ..

بُندُقتي .. صباحكِ سكر 

لستُ أدري علي وجه التحديد متي أصبحت الكتابة في مثل هذه الأوقات المتأخرة محببة إلي قلبي إلي هذه الدرجة .. 

في هذه الاوقات استرجع الوجوه في سهولة و يسر , و كل التفاصيل تكون حاضرة , أُحصيها مرة و مرتين , لا لم أنس أي تفصيلة صغيرة ..

حتي أنا أبدو نقياً في الليل , نهاراً أشعر بأني ملوث لأني أسكن العالم , بينما في هذا الوقت المتأخر يسكنني العالم , فأشعر به أجمل و أصفي .. أراكِ ترفعين حاجباً و تخفضين الآخر .. نعم يا صديقتي أنا من هؤلاء الحمقي الذين يعتقدون بأنهم خُلقوا لعالم آخر و زمان آخر ..

..

سلمي .. أتذكرينها ؟! .. إحدي شخصيات رواية "عِــناق عند جسر بروكلين" * , إنتهت بها الرواية ..

أشعر بأني قريبٌ منها , و من خوفها , قريبٌ إلي حد أني أراها جالسة أمامي في عربة المترو , ترتعد خوفاً الشباب الذين ينظرون إليها نظرات , أنا و أنتِ و سلمي نفهمها جيداً ..

..

أشعر بـ أني انتشيت بالهواء البارد القادم من النافذة ..

تصبحين علي خير يا بندقة .. سأنزل في المحطة القادمة ..

" خللي بالك من سلمي "

..

* رواية لـ عز الدين فشير

..

لم أبحث في محركات البحث عن صورة تحمل اسم "سلمي" , قمت بلصق الاسم علي الخلفية السوداء بواسطة برنامج "فوتوشوب" .. و تحملّت سخافة البرنامج و "التهنيج" المستمر للجهاز .. لأجل سلمي ..

لم أقابل أي "سلمي" قبل سلمي هذه ..

الصورة إهداء لها ..





السبت، 13 أكتوبر 2012

شيخوخة



ضوء خافت يتسلل من النافذة ..

أمام المرآة الطويلة , ذات الإطار الذهبي , وقفت , حافية القدمين ..

خلعت غطاء رأسها , لم تكن ترتدي سوي قميص نوم لا يخفي جسدها الهزيل ولا يديها النحيفتين ..

تحسست وجهها , مرت بيدها علي كل التجاعيد , إنسابت الدموع من عينيها ..


لو كان موجوداً الآن , لسمعت صوته قادماً من ركن الحجرة "سيدي يا سيدي !, فاتن حمامة يا ولاد ! " ..

و لجاء إليها و أحتضنها , و مرر أصابعه في شعرها الأسود القصير , و قبّلها من وجنتها , وقبل أن ينصهر كيانها و يتلاشي في الهواء لتصبح عصفورة غير مرئية من فرط السعادة , سيحملها بين ذراعيه ..


كان هو واسطة العقد , الذي انفرط , و انفرطت بعده كل الحبات , الصديقات و السنوات .. أصبحت هي آخر من تبقي من "شلة الصديقات" ..


إحتضنت نفسها , بقوة , مثلما كان يفعل , لكنها لم تشعر بدفء يديه , هي فقط أحست ببرودة يديها ..


خلعت سماعات الأذن و ذهبت لتنام , نفضت عنها أفكار الوحدة و الشيخوخة المُرة , ستنام قليلاً كي تستعد للقاء حفيدها في المساء , ذلك الطفل الذي ملأ عليها الدنيا ..


و هي نائمة , في ركن بعيد من المنزل رن جرس الهاتف , و تم تحويل المكالمة إلي المجيب الإلكتروني ..

" ماما حبيبتي أنا مش هقدر آجي النهاردة , حسن عنده نزلة معوية و طول الليل معرفش ينام من العياط .. و الدكتور قال مينفعش نخرج النهاردة " ..


وفي الركن الآخر , مرآة , و ضوء خافت , رفضا الرحيل , و رفضا الموت , وقفا كشاهدي إثبات , علي حياة , علي قصصٍ لم تُروي ..


..
تمت
..


❞ Mohamed Khaled ❝

الخميس، 11 أكتوبر 2012

فلسفة الصناديق



مش فاكر إمتي بالظبط بدأ هوسي بالزخارف , الجدران المزخرفة , الأبواب المزخرفة , عواميد الرخام الطويلة المزخرفة , الصناديق المزخرفة , خصوصاً الصناديق المزخرفة ..


أول صندوق وصلني من النوعية دي , كان من ماجد أخويا في عيد ميلادي اللي فات , حبيته جداً , الإهتمام بالتفاصيل الصغيرة , وكأنها أطفالك الصغيرين , يحسسك إن بينك و بين الصندوق شئ قوي , شئ حي ..


عموماً أنا بحب فكرة الصناديق , فكرة الخصوصية , فكرة إنك إختصرت سنين عمرك في شوية أشياء بسيطة , ميفهمش قيمتها غيرك , فكرة التخفف من كل الأثقال اللي ملهاش لازمة .. فلسفة الصناديق ... : )

عندي أكتر من صندوق , صندوق ذهبي , هو في الحقيقة علبة شوكولاتة شيك جداً , طلبت من ماما أحتفظ بيها و وافقت , و علبة تانية كانت في الأصل علبة الماذر بورد motherboard بتاعت أول كمبيوتر بابا الله يرحمه اشتراه لينا ..

بدأت أجمع في الصناديق دي قصاصات من الجرايد , خصوصاً بريد الجمعة , صور بحبها من مجلات , كروت مكتوب عليها إهداءات و صلتني في مناسبات مختلفة .. محمود صديقي , أكتر حد وصلني منه كروت .. و أجمل إهداءين كانوا من ماما و بابا .. في عيد ميلادي ..

ماما كتبتلي في مقدمة الإهداء " عزيزي حمّو " ... ودي لوحدها كفيلة إني ابتسم طول العمر .. خصوصاً إن ماما ملهاش أوي في موضوع الهدايا و التفاصيل الصغيرة دي ..

انا مكونتش قبل كده بصدق موضوع "سحر الأنثي" و تأثيره علي الرجل , لكن أول مرة ماما قالتلي " حمّو" حسيت ساعتها إني مستعد أعملها أي حاجة و أنا مغمض , حسيت الكلمة زي نوع قوي من السحر , أعتقد أقوي أنواع السحر هو السحر الأسود , بس كلمة ماما كان سحرها أقوي , سحر أبيض ..

آخر عيد ميلاد ليا قبل وفاة بابا , هي نسيته اساساً , بس أنا حبيت أختبرها قدام بابا , قالت المعاد غلط , كذا مرة , لدرجة إن بابا حس بمأساتي و ضحك و قالها "كفاية الله يكرمك , مش فاكرة هو إتولد إمتي ؟! " ..


..

من ضمن التفاصيل الصغيرة , لقيت نوتة , زي أوتوجراف كده , كلها مليانة إهداءات من صديقات ماما في المعهد .. ولقيت تفاصيل صغيرة ماما مدوناها , زي تواريخ أو مواعيد معينة , او أحاديث قدسية و أحاديث شريفة .. و حاجات من النوعية دي ..

..


علي الهامش..

كل ألم مش بيقربك من ربنا , و لا بيقربك من نفسك و تفاصيلك الصغيرة , هو في حقيقته وجع علي الفاضي .. طاقة ضاعت هباءاً ..

نوع من السادية مارستها ضد نفسك , و لا هي طهرتك من أخطاءك , و لا هي فكرتك بإنك لسه حي و بتحس - و دي أهم فوايد الألم من وجهة نظري - , بالعكس , زودت كرهك لـ ضعفك ..


..

❞ Mohamed Khaled ❝

11-10-2012

الأربعاء، 10 أكتوبر 2012

يوتوبيا عند د.أحمد خالد توفيق


يوتوبيا ... أول كتاب كامل أقرأه للدكتور أحمد , كل علاقتي بيه كانت مقتطفات قصيرة أو مقالات ... حتي سلسلة ماوراء الطبيعة كنت بعتبرها تعبانة , أو يمكن العيب فيّا , موضوع الرعب ده بالنسبالي "فاكِس" ... 


فكرة الرواية تقليدية جدا , و "اتهرست في
 100 فيلم قبل كده" ..

فكرة المستقبل السوداوي , إنقسام الناس لعالم علوي و عالم سفلي , أو نخبة { سكان يوتوبيا } و حثالة ..

بس حبيت اقرأها علشان كنت عاوز أجمّع لمسات دكتور أحمد , فلسفاته رائعة ..

البطل الغائب في القصة هي "الأخلاق" , علي عكس تصورات {يوتوبيا} اللي وردت في أفكار المفكرين و الحكماء قبل كده ...





تصوّره للمستقبل مُزعج جداً , مستقبل غير أخلاقي لأبعد الحدود , جنسي بصورة بشعة -وإن كان الكاتب لغته محترمة جدا ومفيش كلمات تضايق- , عنيف و دموي , مستقبل بإختصار قائم علي أنقاض المبادئ , مفيش مبادئ أساساً ..

أهم شخصيتين جابر من الحثالة , او الفقراء , و البطل التاني -مش فاكر اسمه- من يوتوبيا ...

الكاتب رمز لكل المباديء بـ "صفية" , رغم إنتماءها لعالم الحثالة , إلا إنها كانت نقية و شئ طاهر في عالم كله إنحلال و فساد ...

و فيه نقطة مهمة , الحراس اللي كانوا بيحموا يوتوبيا كلهم أمريكان , و يوتوبيا أساساً مركزها في الساحل الشمالي ... ده شئ متوقع , نتيجة للوقت اللي انكتبت فيه الرواية 2008 .


----

صفحة 137 :

في أوائل القرن الحادي و العشرين , و في آخر إحصاء أمكن عمله كان هناك 35 مليون مصري يعيشون تحت خط الفقر , و كذا كانت البطالة التي وصلت إلي أعلي معدلاتها العالمية "10 ملايين عاطل" ..

لاحظ أن مرتكبي الإغتصاب عاطلون , { أي أن جريمة الإغتصاب هي في الحقيقة اغتصاب للمجتمع } ..

{ دعك بالطبع من ذوبان الطبقة المتوسطة التي تلعب في أي مجتمع دور قضبان الجرافيت في المفاعلات الذرية .. إنها تبطيء التفاعل و لولاها لانفجر المفاعل .. مجتمع بلا طبقة وسطي , هو مجتمع مؤهل للإنفجار } ..


---- 





فيه مشكلة عندي في النت مش عارف أرفعلكم صورة غلاف الرواية , فيه شئ بيشدني رغم إني مش حاسه فني أوي ..









إلي بُندُقة


صَباحُ الخيرِ يا بُندُقة ...


أعتذر عن الغياب , و عن الحضور , و عن الثرثرة , و عن الصمت ,
أعتذر عن كل ما يزعجكِ في هذا الكون ..


لم استيقظ باكراً , استيقظت متأخراً إلي حدٍ ما , صدري و معدتي يؤلماني , القهوة و الشاي بدأت تؤتي ثمارها بقوة , أخيراً !


مع أن الدواء الذي أتناوله قوياً , يبدو أن المرض عنيد مثلي , لا يتجاوب مع الدواء في لين ... انا و المرض و الدواء , علاقة معقدة بالتأكيد .

..

رتبت مفارش السرير في عناية , تذكرت أمي , تستيقظ باكراً جدا , قبل أن تستيقظ الشمس غالباً , تعد إفطاراً شهياً للدجاج و للأرانب و للبط , يتناولونه في نهم , و يقفزون فرحاً في كل مكان في أرجاء الشقة الخالية التي أهدتها أمي لهم , يقولون لي : لديك أمٌ عظيمة ..


و انا بدوري , ابتسم في صمت , أدرك جيداً أنها عظيمة و جميلة و طيبة , و حزينة , و عصبية !


تحضرُ لنفسها إفطارا بسيطاً جدا , قطعة جبن , و خبز , و ترتشف في نهم كوب الشاي الصباحي .. و تذهب إلي عملها ..

كل هذه التفاصيل تتم في سلاسة و أنا نائم ..


..

تخيلت حوائط غرفتي منقوشة بعناية علي الطراز الأندلسي , و الورد و الياسمين في كل مكان في غرفتي , يا الله كم أعشق فوضي الياسمين ! , تخيلت حديقة المنزل الصغيرة و في وسطها نافورة جميلة من الرخام , .. لم يكن ينقصني سوي إشعال عودٍ من البخور , و قد كان .

..


أهداني "محمود درويش" بصوته الجميل رائعته ؛ تُنسي كأنك لم تكن ! , و في الخلفية مقطوعة موسيقية عذبة ..

أجدني أرقص في الغرفة علي أطراف أصابعي , في يدي كوب الشاي باللبن , منتشياً , أردد في أداءٍ مسرحي مقلّداً إياه  ؛

{ أنا ملك الصدي , لا عرش لي إلا الهوامش ! } *


..

إغفري لي غيابي , أنا لا أصمت إلا عندما يكون داخلي مُنهكاً ,

صباحُكِ سكر يا بندقتي ..


..


❞ Mohamed Khaled ❝


------

* إقتباس من قصيدة " تُنسي كأنك لم تكن " لـ محمود درويش 

الاثنين، 8 أكتوبر 2012

الموت الأسطوري

تُري هل سيكون موتي مٌدهِشاً لا يُنسي كما أردتُ لنفسي و أنا صغير ؟!

كطفلٍ صغير شديد الحساسية كُنتُ أعاني من نوبات إكتئاب شديدة , لشعوري بالإهمال , لإني لست طفل العالم المدلل , كنت أعتزل العالم و أعاني من الإنكسار و أفقد شهيتي للعب , أو تجئ تصرفاتي علي النقيض تماماً , عنف شديد و غوغائية و محاولة للظهور و جذب الإنتباه بشتي الطرق ..

ولكن الأغرب كان رغبتي في "الموت" , كنت أعتقد أن الرحيل الدائم سَيُشعِرهم بأهمتي , و يندمون كثيراً علي إهمالي .. قُلتها لأمي و أنا صغير " بكرة لما أموت , وتفتكروني , هتزعلوا ..! " ..

كانت أمي تبتسم في سخرية , و لكن في داخلي ادرك جيداً أنها تدعو الله بالا يقبل دعائي , و تدعو كثيراً بان يحفظني الله من كل شر ..

و لم أجد لتلك الرغبة تفسيراً في وقتها , لم يكن عقلي الصغير قادراً علي إستيعابها إطلاقاً ..

و عندما بدأتُ في النضج و أدركت أني حظيت بوالدين رائعين , و كانت طفولتي أكثر من رائعة , سَخِرتُ من نفسي و من سخافة تفكيري .

و رغم سخافة الفكرة , إلا أنها تراودني أحياناً , و أنا كبير , تلك الامنية الخفية , بالرحيل إلي والدي , بالغروب الأخير الذي لا يتبعه شروق , لم تعد الفكرة تتعلق بكون أحد سيلاحظ غيابي أم لا , أصبحت الرغبة متعلقة بالإختفاء فقط ..

و لكن هناك الكثير من العوائق , هناك الكثير من الأمور الغير منتهية , هناك الكثير من الإعتذارات , الكثير من الوعود التي ينبغي عليَّ الإيفاء بها ..

تُري هل يُمهِلني الموت ؟! , أمنيتي التي لازمتني و أنا صغير , هل يُمهِلني كي أستعد للرحيل ؟

و هل سيكون رحيلي اسطورياً كما تمنيت و أنا صغير ؟!




22-9-2012

حساسية



مساء الخير يا بُندُقة ..

هل حدث يوماً يا بندقة أن إنتابتكِ حالة من الحساسية الشديدة تجاه كل الاشياء ,
تجاه أبسط الأشياء ,
"إزيك ؟ " تلك الكلمة البسيطة , هل تصدقين أنها آلمتني هذا المساء ؟!


لا أقو علي الرد و لا علي الكلام , تأتي ردودي باردة فاترة , مخيبة للآمال , لكن حقاً لا أقو علي الرد , حالة من الوجع الصامت , حالة من اللاموت و اللاحياة .. حالة لا يوجد لها علاج سوي القليل من الصمت و كوب شاي دافئ .


أفتقد شهيتي للحياة , وللمضي قدماً , أو ربما حدث أني اشتهيت المكوث , أريد أن تتوقف الساعات , و أن ينفذ الوقود من سيارتي , و أن يؤلمني جرحي القديم في ساقي كي لا أتحرك من مكاني ..


أصبحت أتعاطي الكتب و القراءة , و أتعاطي النوم , و أتعاطي العزلة , كل شئ أصبحتُ مفرطاً فيه , إلا رغبتي في الحياة ..


و عندما لا أنام , أتعاطي المنبهات , قهوة فـ شاي فـ قهوة مرة أخري , أصبحت خلايا جسدي من ذوات المزاج العالي !


مايحدث شديد التناقض , عندما يصبح جسدي منهكاً و أشتهي النوم , أحاول بقدر الإمكان أن اتلذذ بالنوم , و كأني أنام للمرة الأخيرة , و كأني أنام لأعوض كثيراً من ساعات عمري قضيتها يقظاً ..


و عندما لا تكون بي رغبة للنوم , تحضر المنبهات بكثرة , و كأني لا أريد لهذه الليلة أن تنتهي !



تنتابني رغبة شديدة في مشاهدة فيلم "آسف علي الإزعاج" .. " مش عارف للمرة الكام ! " , و إيقاف المؤشر عند مشهد بعينه ؛

عندما تصرخ والدة حسن فيه : " مش هيرد لإنه مات ! "

وتكرار المشهد طيلة الليل .. " مش هيرد لإنه مات ! "



و كما هو عهدي بكِ , ستقلقين كثيراً لأجلي , و كما هو عهدي بنفسي مثلما أنطفأت شهيتي للحياة فجأة , ستشتعل مرة أخري, و آخذ الحياة بين ذراعي و أحتضنها تحت المطر و أقبلها قبلة طويلة !



-----

يبدو يا بندقتي أني لم أبرأ تماماً من الآلام المصاحبة لبداية الشتاء التي عانيت منها كثيراً


..

سأتوقف قليلاً عن الكتابة ..

موعدنا المطر ..

..

جواك سؤال تصرخ تقول أنا مين ,
أنا زي مانا و ألا اتقسمت إتنين ؟!
قول ياللي في المراية ,
فهمني إيه الحكاية , 


فرحان ؟ تعبان ؟ مرتاح ؟ ندمان ؟

..











❞ Mohamed Khaled ❝